الثلاثاء، 26 مايو 2015

*** رسالة وحيدة إلى "فايكا" (1)


كنت كلّ مرّة أمرق كسهم وأداور مثل ذئب طريد. لم أقع فريسة فخاخ المنطق الكثيرة التي سيّجت حياتي. انطلقت مثل رصاصة نحو هدفي. حدّدت خياراتي: 
يجب أن أكون أنا، لا كما يحبّ لي الآخرون أن أكون.
أحبّ أن أختلق نجاحاتي و "مآزقي" حتّى، كما أحبّهما، لا كما يشتهي الآخرون.
أعيدها: "ما النجاحات" في النهاية؟ أليست "وهما" لا يعني سواي؟
ما "الجراحات"؟ أليست ألما لا يعني سواي؟ ثمّ ألا يعدّ ما بينهما سوى حالات انتظار لا تعني سواي؟
واضحا تماما ومكشوفا كان قراري: السفر عميقا حتى (النهايات/ البدايات)، التغلغل في الرحلة الانسانية حدّ الأقاصي...
عشق "التململ" و"القلق" و"اللّاجدوى" و"استنفار الحواسّ" المستفزّة أصلا في رحلتها الأصيلة نحو النبع الأوّل...
لقد اكتشفت أنّه يتوجّب عليّ حتّى أكون انسانا أن "ألهث" خلف الإحراجات...
و... وجدت أيضا أنّه لا مجال إلى جملة أخرى في هذه الرسالة، فالجملة السابقة جديرة بما يكفي أن تكون جدّ مناسبة كخاتمة".
.99 99 Alakatras 59K b- Munich 16
** ملاحظة: "فايكا"، العنوان الممهور على الرسالة خاطئ، لا احبّ أن تراسلني أريد أن نترك لقاءنا محض صدفة...سوف نلتفي...
* (1) "فايكا"، صديق "الفكرون واسمه في مضامين الحالة المدنية التونسية (توفيق).

** عبد القادر عليمي (من الرواية).






مجلّة "الحياة الثّقافية" تحتفي بمرور أربعين (40) سنة على تأسيسها







مجلّة "الحياة الثّقافية" تحتفي بمرور أربعين (40) سنة على تأسيسها


وفقا للبرنامج المصاحب






*** قَصِيدَةُ أُمّي ****


أَلَحَّتْ عَلَيَّ نَفْسي كثيرًا فَخَلَوتُ إليْهَا أُحَدّثُها وَتُحدّثُني. وَكانت النّتيجَةُ قَصيدةً قَصيرةً بَعْدمَا شَطَبتُ كثيرًا مْن السُّطورِ وَالْكلمَاتِ وَغَيَّرتُ أُخْرى. وَقَرَأْتهَا مَرّاتٍ وَلكنْ خَطَرَ لِي أنْ أعْرِضَها عَلى أُمِّي عَلِّي وَاجِدٌ عنْدهَا رأيًا صَائبًا. وَقُلتُ: "أُجرِّبُ"
حِينَ دَخلتُ كانتْ أمّي تَغزلُ الصُّوفَ بِمغْزَلهَا الَّذِي صَنَعَتْهُ بِنَفْسِهَا مِن غُصْنِ زَيتونٍ. رَفعتْ رَأْسَهَا كَأَنَّهَا أَحَسَّتْ بِمَا أُريدُ فَبُحْتُ لهَا بِمَا فَكَّرتُ فِيهِ فَقَالَتْ: "اِقْرَأْ" وَوَقفتُ مُرتعشًا أَقْرَأُ:
عَلَى دَوْحَةِ الشِّعْرِ
حَطَّ يُغَنِّي
بِعَيْنَيْهِ عِشْقُ الْفُصُولِ
وَحُلْمِ التَّمَنّي
وَذكْرَى الرَّحِيلِ الَّذي شَاقَهُ
وَالصَّبَاحُ الْمُغَنّي
وَكانَ صغيرًا
جَناحَاهُ رَسمٌ مِنَ النُّورِ وَالهَمْسِ
في مَوْكبٍ مِن دُمُوعٍ وَفَنِّ
ضَمَّهُ اللَّيْلُ
حِينَ أَتَاهُ بِهَوْلٍ وَجِنِّ
وَلَكنَّهُ فَرَّ مِنّي
أكْملتُ قِراءةَ القَصيدَةِ، فَظلَّتْ أُمّي صَامتةً لِلحظاتٍ ثُمَّ قَالتْ: "أنَا أُصدِّقُكَ يَا وَلدِي، ولكنَّ النّاسَ لا يُصدِّقُونَ أنَّ بِعُيُونِ العَصافيرِ عِشقًا وَأحْلامًا، اُشطبْ هَذَا حَتّى لا يَسْخَرَ النَّاسُ مِنْكَ. وَهلْ رأيتَ يومًا عُصفورًا لهُ جَناحَانِ مِن النُّورِ؟ اُشْطُبْ هَ ذا أيْضًا"
وَظَلَّتْ أُمّي تُحرِّكُ مِغْزلهَا وَتأمُرُني بِشَطبِ كلمَاتٍ وَأَسْطُرٍ. ولمْ يَكنْ أمَامي إِلّا أَنْ أَ فعَلَ.
وَحِينَ خَلَوْتُ إِلَى نَفْسِي قَرَأْتُ القَصيدةَ فإذَا هِيَ كالتّالي:
عَلَى دَوْحَةِ التَّلِّ
حَطَّ يُغَنِّي
وَلَكِنَّهُ فَرَّ مِنّي
وَاكْتشَفتُ أنَّ القصيدةَ أصبحتْ بَسيطةً وَجميلةً وَصادقةً بَساطةَ أمّي وَجمالَها وَصِدْقَهَا.
******** أحمد الحاجي










الخميس، 21 مايو 2015

*** في الكتابة والغواية، أو: كيف نستثمر الخسارات...


** لم أنو يوما أن أكون "كاتبا"، وقد قرأت كثيرا عن خسارات هذه المهنة... كان الشعر يأسرني،والرواية تطوّح بي في عوالمها الساحرة، أمّا القصة فبحر زاخر من الإيماءات والإلماعات والتكثيف والاختزال... ورغم ذلك لم أنو أن أكون كاتبا...
أدّعي انّي قارئ جيّد، ومطّلع على أهمّ ما صنّف في هذه المجالات، ولم أنو - رغم ذلك- أن أكون كاتبا.
...
ومضت سنوات "شقاوتي "الأدبية" مثل برق خاطف، ووجدتني -دون تخطيط مسبق- منغمسا في لجّة الكتابة...مهنة الخسارات طبعا.
أتذكّر حادثة مائزة في حياتي: كنت منذ سنوات طويلة خلت على موعد مع أستاذي الشاعر المرحوم الدكتور الطاهر الهمامي، التقيته بجهة "لافايات" بالعاصمة. بعد أن استقرّ بنا المجلس وخضنا في حديث جانبي فاجأني بالقول دفعة واحدة، قال: "لماذا لا تكتب؟".
فكّرت قليلا... وقلت: "أستاذي لم تخطر لي الفكرة مطلقا...".
قال: "...أنا بدأت كتابة الشعر منذ أواخر الستينات، كتبت قصيدتي "شيّات" وأنا بالكاد أتجاوز نصف عمرك الراهن...كتبتها وأنا أجلس في باحة مقهى "الهناء الدولي"، حين باغتني "شيّات حقيقي" لمّع حذائي عنوة ونقدته مرغما ما أمتلكه من مليمات قليلة...باغتني،نقدته عنوة، ولكنّي كنت مغتبطا، فقد أوحى لي أولى قصائدي...
قلت: "كان الشعر صدفة إذن؟".
قال: "لا...بل كان كامنا ينتظر القادح فحسب...".
ثمّ، أعاد سؤاله: "لماذا لا تكتب يا عبد القادر...؟".
****
...
منذ ذاك السؤال كانت الكتابة قدري، وبدأت خساراتي...
* عبد القادر عليمي











الأربعاء، 20 مايو 2015

"طقوس سرّية... وجحيم"، لحياة الرايس: فتنة اللّعب السردي و وجوه اللّعب

"طقوس سرّية... وجحيم"، لحياة الرايس: فتنة اللّعب السردي ووجوه اللّعب
                                                                      د. عبد القادر عليمي

 القاصّة والمسرحيّة والشاعرة حياة الرايس ليست في حاجة إلى تعريف يؤطّر مسيرتها الأدبيّة الحافلة والممتدّة - نسبيّا- وسنكتفي في هذا التقديم بالإشارة إلى أهمّ أعمالها وتصنيفها تصنيفا أجناسيا، لننتقل بعد ذلك إلى الخوض في آخر إصداراتها الإبداعيّة، وهي مجموعة قصصيّة عنوانها: طقوس سرّية...وجحيم".
من أولى المجموعات القصصية التي أصدرتها، مجموعة عنوانها: "ليت هندا..."، وصدرت بتونس سنة 1991. ثمّ، أنجزت في الدراسة النقدية كتابين هامّين، هما: "المرأة، الحرّية، الإبداع"، الصادر عن مركز الدراسات والبحوث بتونس سنة 1992. و "جسد المرأة: من سلطة الإنس إلى سلطة الجنّ"، الصادر عن دار سيناء، القاهرة 1995.
كما كتبت المسرحيّة، وتجسّد ذلك في نصّ عنوانه: "سيّدة الأسرار عشتار"، الذي نشر بتونس سنة 2003، وأعيد نشره في طبعة ثانية سنة 2004. وقد كان للشعر في مسيرتها نصيب ترجمه ديوانها "طقوس سمراء" الصادر سنة 2004.
وهكذا، فالمحتفى بها تمتلك قلما إبداعيّا متنوّع الاختصاصات. وهذا - في حدّ ذاته – من الميزات التي يندر أن نعثر عليها عند المبدعين، حيث يغلب "التخصّص"، أو لنقل التوجّه إلى جنس أدبي دون سواه.
هذا، عن مجمل أعمالها - أو بعضه على الأقلّ – أمّا في ما يتّصل بمجموعتها القصصيّة الجديدة "طقوس سرّية...وجحيم"، فقد حاولت حياة الرايس أن تحلّق خارج سرب القصّ المألوف، ف"استحدثت" تعديلا فنّيا طوّح بأبنية القصّ في معماريته المألوفة، وتجلّى ذلك في التقسيم الداخلى، ولنقل التبويب الذي اندرجت ضمنه هذه النصوص، فقد جاءت المجموعة مبوّبة ضمن أربعة أقسام، يتميّز كلّ منها بتصنيف أجناسي يميّزه عن ما سواه، ويميّز -بالاستتباع- محمولاته الفنّية والدلالية. وجاءت هذه الأقسام مع نصوصها تحت المسمّيات التالية:
- قسم أوّل، تحت عنوان: "قصص"، وضمّ ثمان (08) قصص، هي: "طقوس سرّية...وجحيم"، "أنا وفرنسوا...وجسدي المبعثر على العتبة"، "اغتيال على ضفّة السين"، "عزرائيل والكاتب"، "ليت هندا..."، "تحيّة"، "أحلام الشيخ مسعود "العزّام" "، و"إعلان زواج".
- قسم ثان، جاء تحت مسمّى: "أدب الرسائل"، وخصّ بعنوان جامع هو: "رسائل أخطأت عناوينها"، وضمّ تسع (09) رسائل، هي على التوالي: "طقوس الرسائل القديمة"، "نوستالجي"، "كلّما تدثّرت بالسفر يعرّيني الحنين"، مؤانسة الذكرى"، "كلّما أنكسر أقرأ رسائلك"، "موعدي أن أشرب القهوة معك هذا الصباح"، "إلى عابر سبيل"، "إلى عابر مقيم"، و "لعبة الأمكنة في مخاتلة الزمان".
 - ثالث الأقسام، عنوانه: "من أدب السيرة الذاتية"، واشتمل على نصّين هما: "يوم في حياتي"، و "في حدائق دجلة: "شهرزاد تشتهي عودة اللّيالي".
- أمّا آخر الأقسام، فوسمته القاصّة بعنوان: "شهادة أدبيّة"، وتكوّن من النصوص التّالية: "سؤال الموت والكتابة المخاتلة للخلود"، "حكايات وأساطير "أهل الجزيرة" أو شهوة الرجل إلى الولادة وهزم "الأمّ"، و"عليسة مأساة بحجم عظماء قرطاج ". 

هذا عن محتوى المجموعة، ولكن ما يمكن ملاحظته –بدءا- أنّ لغة السرد وإيقاعها لا تسير على وتيرة واحدة، كما أنّ إيحاءات المعنى وإحالاته يتجدّدان من قصّة إلى أخرى، والقاصّة في كلّ ذلك تهب مهجتها للكتابة وحدها، والإبداع وحده، ما يليق بمبدعة تسكب روحها الأمّارة بالإبداع في فضاء شاسع هو فضاء النّص. وهل الكتابة الإبداعيّة غير ذلك؟ أليست مجاوزة للتخوم وتحليقا في فضاءات غير مسيّجة دون جناحين، ولحظة مختلسة للإطلال على ما وراء السجف والحجب؟
أوليس المبدع عبر مختلف تسمياته، شاعرا كان أو ناقدا أو قاصّا أو روائيا مختلفا عن الآخرين: يسيرون ويطير، يثبّتون أقدامهم في الطين ويسبح في الملكوت؟ يهرفون سمج القول وسخف الكلام، ويصطنع المبدع مجازات الحياة والموت وما بينهما؟
ثمّ، يصطنع بأنامله الدقيقة طقوسه الخاصّة: سعادته وجحيمه، حياته وموته وما بينهما، حتّى "يتّعض" الآخرون: سدنة "الجاهز" والجثث المحنّطة والرضى بالمكتوب.

إنّ نصّ: "طقوس سرّية...وجحيم" بمختلف تفريعاته وحدة متكاملة، إنّه نصّ ينبض بالحياة ويشرّع لكشف الأسرار والبوح والفضح - ربّما – وهو بالاستناد إلى ذلك يحتفل بالإنسان في كلّ تجلّياته. ولنا في الإيماءة الأنيقة في العنوان (وهي إيماءات في الحقيقة)، خير دليل على تلك "المنطقة الوسطى" أو "البرزخ" الذي يمكن أن يفصل أو يجمع (الأمر سيّان هنا) بين ما اصطلحت على تسميته القاصّة ب"طقوس سرّية" وبين "الجحيم"، بين وجود كالعدم وعدم كالوجود، بين متحقّق كالمستحيل ومستحيل يتحقّق.
تلاعب حياة الرايس اللّغة وتداعبها، لتبحث من خلال ذلك عن ذاتها المبدعة في زحام "الّذين يأكلون الخبز ويمشون في الأسواق"، تبحث عن اختلافها بجوهر أصيل، غير مبتذل أو سوقيّ...ثمّ، قد تجد تلك الذات أو لا تجدها فالأمر سيّان، تقول في القصّة الأولى التي تحمل عنوان المجموعة: " تشرق الشمس على النوافذ لكنّها لا توقظ القلب. أيّام ساكنات والأحلام لا تغادر ليلها..."، ثمّ تضيف: "هذه امرأة لم نعد نعرفها". وتعقّب في شكل حوار بين حلمها المحبط وطقسها السرّي القديم: " كلّ أيّامك مهدرات، يصرخ الحلم المحبط، يهمس الطقس السرّي القديم: متى نعود إلى سالف عهدنا؟ متى سنمارس جنوننا وطفولتنا؟ متى نعيش إبداعيا على الأرض"؟ والمقصود ب"الطقس السّري القديم" في هذه "القصّة المفتاح" هو الوله بالكتابة والشغف بها حدّ الهوس، تقول: "أمسك قلما وأنتشر من جديد بين البياض، تقبل عليّ أحلامي كما يقبل الفلاّح على نهر، أستعيد طقسي السرّي القديم". فهل بعد هذا الوله وله؟ وبعد هذا الشغف شغف؟
ثمّ، تنوّع حياة الرايس من طروحانها القصصيّة شكلا ومضمونا، تطرح الأسئلة الحارقة في قصصها، ومن أمثلتها: نقد بعض الظواهر المتفشية في مجتمعات التخلّف، مثل ظاهرتي الشعوذة والدجل في قصّة: "أحلام الشيخ ابراهيم العزّام"، هذا الشيخ الذي يدّعي القدرة على شفاء كلّ من مسّه سحر أو ألمّ به داء، فيده كما تصف القاصّة: " تجمّد الماء وتعمّر أرحام النساء"، وهو في الأصل متحيّل، فاسق وزان...النّاس لا يتصوّرون (والعبارة للقاصّة)  "أنّ الشيخ العزّام لا يحلم، لا يتمنّى، لا يعشق، لا يشتهي..."...لكنّه اشتهى "ساسية القابسية" العاقر، هذه المرأة التي التجأت إليه خوفا من أن يطلّقها زوجها، وعندما "وقعت تحت سيطرة مجتمع نبذها لمّا خذلها رحمها، متوسّلة الشيخ آخر املها". لتنتهي القصّة بانتهاك شرف "القابسيّة" التي سقطت مغشيّا عليها بعد أن شربت مخلوطا في كأس قدّمه الشيخ العزّام.
هذه بعض مدارات القصّ في مجموعة حياة الرايس الجديدة، وفي الجزء الثاني من مصنّفها توسّلت متهج، أو لنقل طقوس الرسائل القديمة في بثّ لواعجها وأشواقها وانكساراتها وانتصاراتها ولواعجها المشتعلة أبدا...تلك التي لا يطفؤها ماء ولا يبلّ جراحاتها دواء...تسوق كلّ ذلك بأسلوب رائق، شائق يعبّر عن خوالج النفس الإنسانية ويجلو ما ترسّب في أعماقها السحيقة من عبق الذكريات ومغامرات السفر وطقوس الغربة و عميق التحنان غلى الأصل والجذور...
ثمّ، لا تستنكف حياة الرايس من تدوين سيرتها الذاتية او "الغيرية" – ربّما- في ثالث أجزاء مجموعتها، توثّق ذلك توثيقا إبداعيا لا تسجيليّا من خلال استحضار "يوميات" امرأة مثقّفة، أو كما توصّف هي: "مجرّد موظّفة لها أوقات عمل معيّنة تقضيها ثمّ تعود على بيتها...". ولم تنس في هذا السياق استحضار رمز "شهرزاد" الذي يحيل على جماليات الحكي، فكأنّما المرأة -على وجه العموم- لم تخلق إلاّ لتكون قاصّة.
الجزء الرابع من المجموعة عبارة عن "شهادة أدبية" تدلي بها حياة الرايس، وأهمّ ما يلخّصها جملة موجزة، تقول: "كلّ شئ منذور للموت إلاّ ماكتب...". فهل بعد هذا الكلام كلام؟  إنّ الكتابة خلود، وما دونها محض فناء، الكتابة فعل خلاص و ما دونها فعل تورّط وشقاء.
في الجزء الأخير من مجموعتها تعود بنا القاصّة إلى فضاءات التخييل السردي، تستحضر شائق الحكي وما يخلب من الأساطير. وتستحضر تحت عنوان: حكايات وأساطير أهل الجزيرة" حكاية "عليسة"،  "حيث تتشابه الحقائق والأخيلة، حيث لا معنى لحقيقة بلا خيال، وحيث لا معنى لخيال لا يبني له بيتا من الحقيقة"

هذا عن المجموعة، نصوصا وطقوسا و...جحيما. وتلك بعض ملامح فتنة اللّعب السردي في نصّ حياة الرايس الجديد، ومن تجلّيات وجوه اللّعب الفنّي بالخصوص يمكن أن نشير إلى التحوّل في مفهوم الكتابة الأدبيّة وأسلوبها، والتحوّل –هنا- منتج من حيث الرؤية للذات والكزن والنّاس والأشياء، ذلك أنّ الأدب مفهوم تتجدّد دلالاته من خلال تجدّد شكله. ثمّ، غنّ هذا التحوّل لا يعني قطيعة مع الشكل القصصي القائم قدرما يعني التطوّر، وهو ديناميّة حتميّة لا يمكن أن يتملّص منها منطق الأدب الذي يواكب تحوّلات الذّات والسياسة والمجتمع. وهكذا فقد يعرق الادب "انفلاتات بنيويّة" انسجاما وتماهيا مع تلك التحوّلات. ولعلّ "طقوس سرّية... وجحيم "، لحياة الرايس لا تخرج عن نطاق هذه الرؤية، فالانفلاتات البنيوية حاصلة –لا محالة- في هذا النّص، فهو ليس بالقصّ الخالص، وليس أدبا محضا للرسائل، وليس مذكّرات شخصيّة، كما أنّه ليس أدبا للسيرة الذاتية. إنّه نصّ جامع يأخذ من كلّ ذلك ويتماهى معه ليتركه في حالات أخوى إلى "تهويمات" تخرج عن نطاق كلّ تصنيف أو تجنيس.
لقد أنجز هذا النّص بعيدا عن المواصفات الجاهزة والمألوفة لنظام ترتيب القصّة القصيرة، كما ابدعت القاصّة نوعا قصصيّا يقترح تفكيك المفاهيم السائدة وتدميرها سرديا، فهذا الأنموذج يبني بكتابته شكل قراءته، وهو ما يجيز اقتراح أسئلة جديدة حول القصّة القصيرة، ومنها:
-هل ثمّة وعي نقدي بأشكال الكتابة السردية الجديدة ومن بينها النّص الذي نحن بصدد تقديمه؟
-ألا ينحرف السؤال النقدي في حالات كثيرة عن الجوهر الأدبي في مثل هذه النصوص ليتحوّل إلى معالجة الإشكال الأجناسي والوعي به، وكأنّ التجنيس هو هوّية النّص الأساسيّة، ولا ينتبه هذا النقد إلى الأهمّ المتّصل بوصف "الحالة" الأدبيّة الجديدة وتحليل بناء نظامها الجديد والانتباه إلى تبدّل مواقع عناصرها واستلهام عناصر جديدة تنهض لإنتاج أدبّية الأدب؟
ثمّ، ألا يمكن أن يعرف الأدب بكلّ تعبيراته الأجناسيّة انتقالات في تحديده وتحوّلات مفهومه ولكن دون أن يؤثر ذلك في جوهر منطقه؟
نطرح هذه الأسئلة التي أثارتها قراءتنا لنصّ "طقوس سرّية...وجحيم" لصاحبته حياة الرايس، ونعوّل على فطنة القارئ/ المتقبّل للوقوف على تجلّياتها في النّص المذكور، وأظنّ أنّ ذلك لا يكون إلاّ من خلال قراءته وليس الاكتفاء بقراءة هذا التقديم الذي لم يف هذا النّص حقّه.





الثلاثاء، 19 مايو 2015

جديد القاصّة التونسية حياة الرايس

حياة الرايس
قصّة قصيرة

أحلام الشّيــخ مسعود " العزّام"
 
عندما بات القمر في منزلة الثريا ، استقبل الشيخ مسعود العزّام" القبلة ، جاثيا على ركبتيه ، كالجالس إلى الصلاة ، فوق سجاّدته الصغيرة ،المفروشة على حصير، بال ، أخضر، لابسا لباسا ابيض ، لا سواد فيه ، خاضع الرأس ، مرهق الوجه ، حادّ العين ، يحرق الجاوي و الدّاد و الندّ ، في مجمرة نحاسيّة قديمة أمامه , تتصاعد منها سحب كأنها أشباح . يحاورها ، يتوسّلها ،  يتسوّلها ، يتوعّدها ، يتقرّب إليها ،يهدّدها . و هي تملأ المكان رهبة غامضة ...
تحيط به كتب صفراء قديمة مكدّسة على الأرض ، متآكلة الأطراف  . بجانبه دواة وريشة من قصب يغرق رأسها المذنب في زجاجة الحبر المكوّرة .
في ركن وراءه ، بعض الحيوانات المحنّطة أو المذبوحة  تبدو من بينها : البومة ،بعينيها المحفورتين ، شمطاء بجلدها المتيّبس الجاف ... معها أعضاء حيوانات أخرى متفرقة: ساق دجاجة بيضاء، رأس ضفدع ، دماغ ضبع ، كبد شاة سوداء ، كبد تيس ، مرارة الضان ، جلد حنش اصفر ...  يتموّج فوقها البخور على ضوء مصباح ضئيل ....فكأنّما يحركها لتتحفّز وتتجمّع كلها لتُبعث حيوانا أسطوريا قادرا على مداواتك من كلّ شرورك...
 غير بعيد عن مجلس الشيخ مسعود جرّة ماء مشقّقة الفم ،فوقها مشرب من فخار، رطب الحافة ،لا تقترب منه الشفاه إلا بالبسملة و التمتمة ... جنبها إناء نحاسيّ قديم .
 بالحائط المتكلس المشقّق فلقة معلّقة ، تحتها أكوام ألواح صغيرة ،مستطيلة ،مرصوفة فوق بعضها ، مخطوطة بحروف حبر اسود غليظة أو باهتة حسب حفظ السّور ومحوها ....  متشقّقة من بعض أواسطها أو متآكلة من أطرافها. تمسكها بالنهار أيدي صغيرة ، مرتجفة ، ينزلق قلم القصب على سطحها الأملس ، يفتح أبواب الغيب و السماوات و الأرض : " نون و القلم و ما يسطرون " يردّدون في شبه غيبوبة :" نعم أسيدي نون و القلم و ما يسطرون "... يكرّرون أساطير الأوّلين مأخوذين بسحر إيقاعها: "...الم ترى كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد و ثمود الذين جابوا الصخر بالوادي و فرعون ذي الأوتاد... " ثمّ ينطلق الصّبية آخر العشيّ  مطلقين أرجلهم للريح  :" نعم أسيدي سرّحنا الله  يمدّ عظامك في الجنّة ."
 أما الشيخ مسعود فأنّه يتنفس الصعداء أيضا  و يتحرّر من عناء الصبية و صخبهم... فيقوم لإبريق الماء ، يملؤه  و ينتبذ به حائط الكتّاب الخلفي  . للوضوء   ليخف و ينشط و ينشرح صدره لاستقبال مرضاه ....
ما بين المغرب و العشاء تكون زيارات النسوة المتعبات، قليلات الحظ ،المقهورات من غبن الزمان و لا عدالة الأقدار. ينشدن حجابا ، رُقية أو تعويذة ترد عنهن شرور الحسد و العين  و البغضاء  وغدر الرجال الذين لا يؤتمن جانبهم تماما مثل الزمان .....
 هذه الليلة بعد صلاة العشاء طوي الشيخ سجادته أمامه ، تخفّف من بعض ملابسه  و استوي في جلسته . على يمينه رفّ ، به صفّ زجاجات ، بها دهون و عطور، تحتها فتائل زرقاء ... قراطيس بخور نصف مفتوحة ...و أوراق أعشاب متنوعة ... يقابله الباب الخشبي، العتيق، مواربا، تتسرّب منه بهرة ضوء قمر خافتة....
امتدت يده إلى صحن الطعام الذي يأتيه دائما  من جاراته : نسوة الحي. تمنى لو أن إحداهن تشاركه طعامه ....و ليله و سهره و قيامه ... و لكن من يعبأ بأحلامه ؟؟؟ الكل يأتي متعبا ينشد فرجا لآلامه ...أو ربما يتصورن أن الشيخ العزّام لا يحلم ،لا يتمنى ،لا يعشق ، لا يشتهي ....و هناك من يتحدث عن معاشرته لجنيّة متلبّسة به تلبّي له كل رغباته و شهواته ...و هناك من يقول إنه متزوج من حورية من حوريات الجان  لا تظهرأبدا في النهار ... و هناك من اقسم انه رأى طيفها ليلا  و هو يدخل غفلة على الشيخ العزّام .....

كان الشيخ مسعود " العزّام " منهمكا في كتابة سورة الزلزلة ، متفرقة الحروف ، في صحيفة من رقّ الغزال ألف مرّة ..... و قد بخرّها بالحنتيت و الكبريت ... ثمّ قام فمحاها و احتفظ بمائها في إناء النحاس .عاد بعد ذلك فأخذ شقفة طاجين قديم ، كتب عليها أسماء القمر معكوسة ، تسع مرّات ،بقطران أسود من الدفلى المُرّة ثمّ أوقد فتيلة زرقاء و أخذ يتكلم بتلك الأسماء معكوسة  و يبخر بالجاوي ....بعدها كتب اسم مصطفى " ولد زكيّة " و زينب بنت محبوبة و أيضا : " كلما أوقدوا نارا أطفأها الله أشعلها الشيطان ....بين فلان و فلانة ..."  ينادي " دردانيل" و " دهنش" و  "ميمون الأحمر" : " انفروا خفافا ثقالا . يومئذ يصدر الناس أشتاتا ... اللهم فرق بين فلان و فلانة كما فرّقت بين السّماء و الأرض  ... افعلوا ما أمرتكم بحق الذي قال للسماوات و الأرض أأتينا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين ...."
يأخذ الحفنة من البخور، من قرطاس بجانبه و يرميها بالمجمرة ... يتضرّع و يتوسّل حتّى  تتبدّل سحنته :" أيّتها الملوك الأربعة  ابعثوا لي خادما من عفاريت الجن يفرق بين فلان و فلانة . يهتك سترهما و يشتت شملهما ..."
ثمّ محا تلك الكتابة و احتفظ بمائها في قارورة لترشّ بها امرأة مصطفى الجزّار عتبة بيت المرأة التي يتردد عليها زوجها .

من جوف الليل دخلت عليه " ساسيّة القابسيّة " و القابسيّة امرأة في ربيع عمرها ، طويلة ، مستقيمة القامة ، بدينة ، لكن صلبة العود، دون ترهل ،مستديرة الوجه ،مقوّسة الحواجب السوداء المدبّغة ، سمراء سمرة قاتمة ، يتمطّى اللّبان تحت أضراسها دائما ، يكشف عن أسنان تلمع من اثر السواك، تكشف ضحكتها عن ضرس مذهبة و أخرى وراءها سوداء منخورة . لا يفارق الكحل عينيها الواسعتين اللوزيتين . شعرها ضفائر غليظة سوداء سوادا فاحما . تنزل على صدرها الممتلئ و أحيانا تديرها حول رأسها . لا تمحي الحناء من يديها و رجليها .
قدمت "ساسيّة القابسيّة "إلى العاصمة مع زوجها من مدينة " قابس " (بالجنوب التونسي ) بعد أن باعت حليها و نصيبها في أعواد الزيتون ، للتداوي . و قد استأجرا غرفة ،مع الجيران ،بالمدينة العتيقة ، بتكيّة "دار بالخوجة " الذين باعوا بيتهم القديم و انتقلوا للسكن في ضاحية المرسى كما فعلت جل  عائلات "البلدية "من سكان المدينة العتيقة  .
عندما كانت "ساسيّة القابسيّة " ، تنقل أغراضها و تعمّر بيتها الجديد ،همست إحدى جاراتها لكوكبة النساء المجتمعات بإحدى سقيفات  الزقاق ( يتبعثر بين أرجلهن أطفال حفاة عراة ) و قد أطلقت  زفرة فيها رائحة حرقة و شماتة :
" يا ما أحسني و يا ما أجملني لكن السّعد موش مني " ....
بعد أيام دلّتها لَلاّ شريفة على " الشيخ مسعود العزّام " الذي ـ يده تجمّد الماء .و يعمّر أرحام النساء ـ  . بعدما روت لها قصّة لَلاًّ صوفية امرأة سي العربي التي بقيت عاقرا عشر سنوات إلى أن قصدت الشيخ العزّام و أخلصت النيّة و أوفت بالوعود و النذور و أشعلت الشموع ....و كانت قد قامت على خدمة أولياء الله الصالحين سنينا طويلة... حتّى ملأ الله رحمها و عمّر بيتها بصبيّ  ثم أنجبت البنين و البنات وقرّت عينها و عين زوجها . و قصّة للاّ عربيّة و للّا دوجة و غيرهن كثيرات ... المهّم النيّة الصافية و الوفاء بالوعود .
عندما زارت "ساسيّة القابسيّه " " الشيخ العزّام " أوّل مرّة . همست له و الدمع ينفر من عينيها و الغصّة تخنق صوتها :" راجلي يحّب يطلّقني خاطر ربّي ما أعطانيش أولاد " .و ظلّت تتردّد عليه من يومها. تأتمر بأوامره و تلبّي كل ّطلباته ، في خضوع مشفق حتّى عندما يأمرها بأن تأتي في عزّ الليل فإنّها تطعم أو تسقي زوجها بعض الحشائش التي يعطيها إياها لتخدره طوال الليل ...و تخرج مرتجفة ،مرعوبة ، يدفعها خوفها من الطلاق قبل حلمها بالأولاد .
تلك الليلة لم تصدّق أنها وصلت كتّاب " الشيخ مسعود العزّام" دون أن يراها أحد .دفعت الباب و ارتمت على الأرض خائرة هاجعة في ملاءتها الحمراء ... أسندت رأسها للحائط شبه غائبة عن الوجود. واقعة تحت سيطرة مجتمع نبذها لمّا خذلها رحمها متوسّلة الشيخ مسعود آخر أملها .
من خلال أشباح البخور التي تتراقص أمامها . تراءى لها طيف سلفتها يوم عيّرتها بعقمها .عندما أصبحت مريضة و لم تقوى على القيام بدورها في الطبخ .قالت لها يومها :" الحمد لله أن لم يرزقك أولادا و إلا كنت قتلتهم من الجوع " . و قد كانت تحرّض عليها زوجها سرّا و علانية أن يطلّقها و يتزوّج غيرها ليتمتع بالأولاد مثل بقية خلق الله .
 استردّت " ساسيّه " أنفاسها ثمّ اقتربت من الشيخ مسعود و همست له : " نحّب نعرف معاشر امرأة أخرى و إلاّ لا ؟" .
قام "العزّام" إلى الكانون فرمى به حفنة مخلوطة من لباّن الذكر و الجاوي الأبيض و المصطكي و الحنتيت ....فعجعج البخور في جوّ الكتّاب المعتم ، كالأشباح المستنفرة و فرقع فكأنما أصاب روح  الشيخ : تغيّرت سحنته ، لمعت عيناه ،حادّتين ، حمراوين .اعوّجت شفتاه و انعرجت زاوية شفته السفلى إلى اليمين و سال منها زبد اصفر .امتدّت يده اليمنى فكأنّما يقبض على شيء ... تحرك لسانه بأسماء الملوك الروحانية يناديهم و يستنجد بهم. .. ثمّ أومأ إلى " ساسيّه " فقامت إلى الكانون . فحجّت عليه سبع مرّات و قد تحوّلت إلى ضراعة مطلقة .... حينها قام الشيخ الوصيف إلى زجاجة فصبّ منها  مخلوطا في كأس . أضاف إليه سائلا آخر أعطاها إيّاه . أفرغته في جوفها بيد مرتعشة فوقعت غائبة ، خائرة وسط غيمات البخور .... فقام الشيخ "العزّام "إلى الباب الموارب فأغلقه  و أطفأ السّراج  و غابا في غياهب الحلم ...

حياة الرايس
كاتبة من تونس




 


الاثنين، 18 مايو 2015

من القصائد الجديدة للشاعر المتميّز الجليدي العويني (مهداة إلى الشاعر أولاد أحمد)



إلى أولاد أحمد في غزوته الجديدة

(نص لهجة للجليدي العويني)
انت برشه يا اولاد أَحْمَدْ
انت أحنا لمّا نصمد
انت ناظم ، كلمات
انت كل اولاد المنجد
نشاز و ممتع و تقلّق
انت حبل غسيل معلّق
عليه المؤمن جَنْبْ المُشْرك جَنْبْ المُلْحِدْ
رعشة رمشك ، رنة صوتك
روحك فابْياتك وبْيوتك
عثرة صبّاطك في خيوطك
نزهى بيها وانخبّيها
ما بين الحلمة والمَسندْ
ولمّا تخنقنا الزنزانه
انت دوانا
ناخذ منّك حبّه ونُرقد
***
تْعِبْ المفتي ، المخبِرْ والعمدة والوالي
وانت عالي
ورد معرّش ، عشب مفرّش
وطير يغرّد
واذا احتجنا ، ولاَّ لحتجاج خرجنا
نتسلّف منّكْ متمرّدْ
و ناخذ مِنَّك ، ناخذ منّك ، ناخذ منكّ
وانت ديمه روح عظيمه
لا ينشف ماها لا يجمد
انت بعضك انت جُلّكْ
اوتار الكمنجه تقلّكْ :
" سيدي سلّملي على ظلّكْ
مادامك عالي ياغالي
ما يقدر قوسي يوصلّكْ"
وانا شاهد
وحتّى غابة رادس تشهد
انّكْ برشه يا اولاد أحمد..


الأربعاء، 13 مايو 2015

التّراث القرائي ووجوه الانحسار الدّلالي: عودة إلى ديوان "أغاني الحياة" لأبي القاسم الشابي


بقلم الدكتور عبد القادر عليمي

     قد لا نجد أصدق من أبي القاسم الشّابي في التعبير عن الحال التونسية الراهنة استبطانا وتوصيفا. تأتّت قدرته - تلك- من صميم نصّه المشرع على المستقبل وعدم اكتفائه بالمرئي من التّجارب، حيث تعدّى ذلك إلى إعادة تشكيل إحساسه بالوقائع وبنائه الأحداث وفق زاوية جدّ مخصوصة تعيد فيها الذّات الشاعرة ترتيب الأشياء وصياغة المواقف كما تراها هي في المقام الأوّل. لقد اخترقت لغته الشعريّة حاضرها واستبقته، فطرحت قصيدته "الرؤيويّة" أسئلة عميقة تجلّت فيها القدرة على أن تكون "عابرة للزمن"، ومثّلت هذه القدرة – إلى جانب مميّزات أخرى كثيرة طبعت شعره وأسلوبه- سرّ إضفاءِ صفة "الشاعرية" عليه و"الشعريّة" على شعره[1]. فتوالت طبعات ديوانه أغاني الحياة، ومثّلت آثاره الشعريّة والنثريّة – على حدّ سواء- ظاهرة لافتة التفّ حولها النقّاد والدّارسون، ما أنتج تراكما قرائيّا/ نقديّا، ذهب بعض الباحثين إلى قصوره عن الإحاطة بالتجربة في قيمتها وأبعادها[2]. وهو ما دفعنا  في هذه الورقة البحثيّة إلى محاولة مساءلة التراث القرائي لديوان أغاني الحياة، ونعني به وسائط المقاربة النقديّة في مختلف وجوهها: التّأريخيّة التوثيقيّة، التّقريريّة الانطباعية والنّقديّة الانتقائيّة، متحسّسين – على إثر ذلك- ما اصطلحنا عليه بـ "وجوه الانحسار الدّلالي" الّذي يشوب – في اعتقادنا- تلك المقاربات من جهة المنطلقات النّظرية (ترسانة المفاهيم والمرجعيّات الفكريّة والمصطلحيّة)، ومن جهة التطبيقات العمليّة على النصوص، ثمّ من جهة النتائج الحاصلة. مقترحين – على الإثر- "فسحة "لانفتاح قرائي فيما نعتقد أنّه إمكانات مغيّبة للاستقراء والمُدارسة.
وفيما يلي أهمّ نماذج التراث القرائي.
I/ تصنيف القراءات/النّماذج
1/ القراءة التّوثيقية التّأريخيّة
يعدُّ ديوان أغاني الحياة أهمّ مؤلّفات أبي القاسم، وقد كان يعتزم نشره في حياته في (مصر) تحت إشراف الشاعر زكي أحمد أبي شادي[3]. لكن مرض الشّابي، ثمّ وفاته إثر ذلك، حال دون صُدُورِهِ فبقي مخطوطا أكثر من عشرين سنة حتّى صدر سنة 1955[4]، لتتوالى إثر ذلك الطّبعات المنقّحة والمزيدة منه، ومن أهمّها الطبعة الأولى الصادرة عن الدّار التّونسيّة للنشر (سنة 1966)، وطبعته الثانية بها (سنة 1970)، وطبعة (سنة 1984) الصادرة عن نفس الدّار، وما تلاها من طبعات تونسيّة. وأهمّ جديد فيها هو إثبات تواريخ القصائد الّتي توثّق تاريخ التّجربة الشعريّة وتسعى إلى رصد حركةِ تنامي زمنِ الكتابة الّتي اختلف نقّاد الشعر ودارسوه في تحديد بواكيرها الأولى[5]. ورغم الاختلاف فاللّافت للانتباه الاكتفاء بمقياس التّعاقب الزّمني في ترتيب قصائد الديوان إلى درجة بلغت مجرى العادةِ، حيث لم تخْلُ طبعة من الطبعات – على اختلافها- من التّنصيص التاريخي "الذي تحدّد  بدْءًا بالترتيب الّذي اعتمده الشّاعرُ ذاتهُ واستمرّ العملُ به طيلة عقود"[6]. وإذ لاحظنا ذلك، نذهب إلى أنّ الاكتفاء بهذا المقياس في الترتيب والتصنيف ما هو إلاّ ضرب من ضروب القراءة النقديّة للديوان، ما استوجب استدعاءه في هذا السّياق تحت مسمّى القراءة التّأريخيّة التّوثيقيّة.
2/ القراءة التّقريريّة الانطباعيّة
هي قراءةٌ تُقارب النّص من خارج، تحومُ حولهُ ولا تقتحمُ مجاهلهُ وأقاصيه. وقد شكّلت –بوصفها نمطًا- إطارا نظريّا لأعمالٍ إجرائيّة كثيرة اهتمّ فيها أصحابها بترجمةِ الشاعر وتفصيل أطوار حياته أكثر من الاهتمام بشعره[7] ، وتداولُوا – وفقا لذلك- جملة من الأحكامِ الّتي لا تخلو من صفتيْ التّعميم والانطباعيّة، كتلك الّتي تختزل المشهد الشعري التونسي طيلة قرن كامل (ق20) في شخص الشّابي، أو غيرها الّتي تدّعي – دون خلوّ من الإسقاط- مقاربة مظهرٍ من مظاهر الشعريّة عِندهُ[8].
3/ القراءة النّقديّة الانتقائيّة
لا يخلو هذا النوع من القراءة من تعسّفٍ على النّص الجامع (نقصد ديوان أغاني الحياة)، حيث عمد أصحابها إلى تخيّر نصٍّ – بعينه- وإخضاعه لمخبرِ التحليل النّظري، فاختلفت النتائج الحاصلة باختلاف المنطلقات والمناهج، بل بلغت – في أحيانٍ كثيرة- درجة التناقض بالنّظر لما يميّز النّظريّات الأدبيّة الحديثة- في حدّ ذاتها- من تشابك/ تقاطع يبلغ حُدودَ الغموض والالتباس. ومن أجلى مظاهر التّعسّف – أيضا- إجراء المعاني الأساسيّة والتّمثّلات المخصوصة الّتي قد تُميّزُ قصيدة ما على جلّ قصائد الديوان[9]. ولكن أجلى ما ميّز هذا النوع من الممارسة النّقديّة مساهمتها في إرساءِ نقدٍ فنّي ينبني على النّص وينهضُ في رحابه باعتباره مظهر الإبداع وفضاءه[10].
II/ في وجُوه الانحسار الدّلالي
اكتفينا في (تصنيف القراءات) بالإشارة العابرة إلى بعض " المآخذ" الّتي نزعم أنّها لازمت أهمّ نماذج التّراث القرائي لديوان " أغاني الحياة". ولم نتوسّع في ذلك لغرضٍ منهجي أساسه إفراد العنصر السّابق لغاية العرض والتّصنيف. وحيث تخصّص هذا المجال للاستبطان والتّحليل، نجد من الضروري طرح الاستفهامين التّالين: ما المقصود بوُجوه الانحسار الدّلالي؟ وما أجلى مظاهره في النّماذج القرائيّة المُشار إليها؟
نُشير – بدءًا- إلى أنّ المقصودَ به هو لفت النّظر إلى ما ميّز هذا التّراث من "انضغاط" و"اختناق" إلى درجة أنّ جُلَّ ما كُتب عن الشّابي وديوانه لا يكاد يخرج عن نطاق الإلحاح على وظائف بعينها، سعت تلك القراءات إلى إعلائها وإبرازها أكثر من غيرها بحسب الغايات والمقاصد. فالقراءة التّأريخيّة التّوثيقيّة الّتي تبدّى حضورها جليّا بالنّظر إلى طبعات الدّيوان المتتالية والّتي رُتّبت فيها المادّة الشّعريّة بحسب تواريخ القصائد، هذه القراءة على سبيل المثال لئن توفّقت في تحديد مسار الإبداع عند الشّابي ووقفت شاهدة على تعاقب أطواره التّاريخيّة واتّصال بعضها ببعضٍ، على اِعتبار أنّ الشعر ما هو إلّا أحد هذه الصّنوف الإبداعيّة الّتي يمكن أن تؤسّس لما يمكن تسميته تجوّزا بـ"تاريخ الإبداع"، واِكتسبت فاعليّتها التّاريخيّة من هذا المنطلق بحفظ الإبداع وتوثيقه، وبالتّالي صيانته من النّسيان والضّياع لأنّ الذّاكرة الإنسانيّة أعجز من أن تُحيط به شموليته وتعدّد صنوفه وتراكمه، ما يستبطن بعض النّجاعة في تنزيل القصيدة في سياقها الزّمني. لئن توفّقت في ذلك، فإنّها – في المقابل- قاربت النّص وفق خطيّة زمنيّة ثابتة لا تعرف التّبدّل والتّحوّل وجرّدته من جميع مزاياه الفنيّة والدّلاليّة والتّرميزيّة، على اعتبار أنّها لم تتجاوز المظهر إلى المخبر وتعاطت معه تعاطي المؤرّخ المهتمّ بالظواهر الخارجيّة للأحداث دُون تحرٍّ لعللها وتلمّسٍ لأسبابها الحقيقيّة. وهي، بالمحصلة صنف من صنوف التنميط ومظهر من المظاهر الّتي يتجسّد فيها الاستعمال الوظيفي البسيط (التوسّل بالتاريخ)، ما يسلّط على الفعل الإبداعي (على اعتباره فعل ابتداع وإنشاء) حدودا لا طاقة له بها.
         هذا فيما يتّصل بهذا الصنف من القراءة، أمّا القراءة التّقريريّة الِانطباعيّة الّتي أحلنا على نماذج منها[11]، فتعكس في عمومها شيئا من التّبسط في حياة الشّاعر أكثر من شعره: تبسُّط  يترجمه الإطناب في تفصيل الأطوار الّتي شهدتها حياته الشخصيّة وأثرها على شعره، والاِستطرادات على هامش التّرجمة أو الاِستشهاد[12]. كما لا يخلو أغلبها –إذا ما رام مقاربة النّصوص تحليلا وتأويلا- من تشيّعٍ لتجربة الشّابي على حساب تجارب أخرى، وتقييم لإنتاجه تقييما ذاتيّا يخضع لإملاءات الهوى والمزاجِ. وهو ما لا يُمكن أن يُفسّر إلّا على أساس الخروج عن الضّوابط المنهجيّة والمرتكزات ذات المرجعيّة العلميّة. كما يحيل على مظهر من مظاهر حصر الفعل الإبداعي (الشعر) ضمن حُدُودٍ تضيق به ليتلاشى فيما ليس منه. وهو ما قصدناه بانحسار مجاله الدّلالي.
وفيما يختصّ بالقراءة النّقديّة الانتقائيّة، نشير إلى أنّ أغلب من باشرها قد سلك مسْلك التّحليل والتّعليل، وتعزّز هذا الصنف من المقاربات بدءا من ستينيّات القرن الماضي تحديدا، وفي اِتّصالٍ مع الجامعة التّونسيّة وبعضِ أساتذتها المواكبين لما سُمّي –حينئذ- "بالنّقد الجديد"، حيث اطّلعوا اِطّلاعًا مُباشرًا على المناهج الحديثة ومصادرها. ما عزّز اِتّجاه التّخصّص، ونشأ ما يُمكن نعته بـ"النّاقد المختصّ الّذي يعي صناعته ويجتهدُ في تجويدها"[13]. على أنّ الاختصاص بالنّشاط النقدي لم يخل – فيما نزعم- من نزعة تلقينيّة/ تعليميّة، ومن إسقاط للمنهج المستجلب (الشكلانيّة، البنيويّة، السيميائيّة...) على النّص. ما أنتج تراكما نقديّا تتكرّر فيه أنساق متشابهة، (لا تختلف إلّا باختلاف المناهج الموظّفة) وهو ما ينسحب على نصّ الشّابي. ولعلّ أجلى وجوه الانحسار الدّلالي- مثلما ألمحنا- إجراء المعاني الأساسيّة الّتي تُميّزُ نصّا ما على جلّ نصوص ديوان أغاني الحياة. تلك إذن، أهمّ وجوه الانحسار الدّلالي، فماذا بشأن ما نعتقد أنّه قد يمثّل وجوها لِانفساح قرائي مجاله النّص الشّابي تحديدا؟
III / نحو انفتاح قرائي: الإمكانات المغيّبة
نقصد بـ"الإمكانات المغيّبة" الحقول الفنّيّة والدّلاليّة الّتي نعتقد أنّها لم تجد حظّا وافيا من المساءلة والمدارسة. ويمكن اختزالها في هذا السّياق ضمن مستويين أساسيين:
1/ المستوى الشكلي
أحاط قلّة من الدّارسين لشعر الشّابي ببعض مظاهر التّجديد الشكلي والنزوع إلى تجاوز القوانين العروضية الصارمة وهدْمِ المسلّمات الوزنيّة المُتماثلة الّتي استولت على الذّوق العربي واستعبدته[14]. ولكن تلك الإحاطة لم ترتقِ إلى مستوى الجديّة اللازمة، إذ اقتصرت في عمومها على بعض الإشارات "الباهتة" متوسّلة بالتّلميح دُون التّصريح والمُداورة دُون المجاهرة[15]. ولأنّ الغاية تتحدّد –ههنا- في التّذكير بهذا الأفق القرائي المغيّب نستحضر- تمثيلاً- جملة مِن القصائد الّتي تجلّى فيها تجاوُز التشطير البيتي إلى وحدة الاسترسال كـ"نظرة في الحياة" و"أنشودة الرّعد" و"يا شعر"...، وقصائد أخرى تكشّفت عن نزوع  جادّ إلى تحديث البنية الشعريّة إيقاعاً ودلالة بتوزيع القوافي وتجاوز وحدة البيت إلى التركيب المقطعي، حتّى لكأنّها تُمهّدُ بذلك "للشعر الحرّ" (قصيدة التفعيلة)، مثل "شكوى اليتيم" و"أغنية الأحزان"[16]. ثمّ لا ننسى الإشادة بملمح آخر من ملامح هذا النّزوع، يُمثّله استدعاء الموشّح في نماذج من أشعارِ أبي القاسم، وهي ظاهرة تتنزّل – في اعتقادنا– في سياق مُحاولات التّنويع الشّكلي ما يستوجبُ التّعمّق في استقراء استدعائهِ وضروب تطبيقاته. وضرورة ذلك، أنّ الشّابي – تخصيصا- لم يقف- دائما- عند الحُدودِ المائزة لهذا الفنّ- ونقصد بذلك قوانينه-فقد تجاوز أُطُرَهُ الشكليّة بالتّصرّف والإضافة والتّنويع.
والمقاطع التّالية المجتزأة من نصّه "في سكون الّليل"[17]، (المجموع الأوّل)[18] ، تعبير على ما ذهبنا إليه، يقول:
أَيُّهَا اللَّيْلُ الكَئِيبْ!
أَيُّهَا اللَّيْلُ الغَرِيبْ!
  مِنْ وَرَاءَ الهَوْلِ، مَنْ خَلْفَ نِقَابِ الظُّلُمَاتْ
  فِي خَلَايَاكَ تَرَاءَتْ لِي أَحْزَانُ الحَيَــــــــــاهْ
  هَا أَنَا أَرْنُو فَألْفِيكَ جَــــــــــبَّارًا حَطِيـــــــــمْ
  سَاكِنًا جَلَّكَ الحُزْنُ وَأَضْنَاكَ الوُجُـــــــــــومْ
  هَاجِعًا طَافَتْ بِأَعْشَارِكَ أَحْلامٌ خِضَـــــابْ
  صَامِتًا، تُصْغِي لِأَنَّاتِ الأَسَى وَالِانْتِحَــــابْ
  وَأَيْضًا كَالهَوْلِ فِي إِحْدَى زَوَايَا الهَاوِيَــــــهْ
  سَاكِبًا فِي وَاحَةِ الفَجْرِ، الدُّمُوعَ الدَّامِيَـــــــهْ
  ضَلَّ مَنْ سَمَّاكَ، يَا لَيْلُ بَنِي الحُزْنِ ، بَهِيــمْ
  إِنَّمَا أَنْتَ بِمَا تَحْوِيهِ مِنْ شَجْوٍ، رَحِيــــــــــمْ
مَا الَّذِي خَلْفَ الغُيُومْ؟
مَا الَّذِي خَلْفَ النُّجُومْ؟
    وأوّل ما يمكن ملاحظته، خبرة الشّاعر الصّناعيّة وإلمامه بالقواعد الفنّية لهذا الشكل التّعبيري (الموشّح). ولكن الإلمام سرعان ما يستحيل إلى ما يشبه التّمرّد ومجاوزة الحدود (انظر الموشّح كاملا)، فأسطر المجموع الثّالث لا تتّفق في عددها مع أسطر المجموعين الأوّلين، كما أنّ القافية متغيّرة من سطرين إلى آخرين، وهو ما أضفى على النّص تنغيمًا داخليّا خاصّا لا توقّعه القافية وحدها ولكن تُساهم فيه ألفاظ النّص المنتقاة بعناية، بل ويُساهم فيه تكرار لفظ "أيّها اللّيل" الوارد في السّطرين الأوّلين والمنتشر بعد ذلك في مفاصل النّص بصيّغٍ مختلفة (أيّها اللّيل، يا ليل...).
    تلك هي إذن بعض المحاولات التّجديديّة الّتي طالت شكل القصيدة "الشّابيّة"، ولكن هل طال التّجديد الشّكل دون المضمون؟ وهو ما يستدعي جانبًا آخر يتعلّق بمضامين الشعر ومبلغ تجديد أبي القاسم على المستوى الدّلالي/التيميائي.
2/ المستوى الدّلالي/التّيميائي
يندرج هذا المستوى – شأنه شأن الأوّل- ضمن ما نعتقد في تمثيليته لانفتاح قرائي. ومظهر ذلك أنّه "يكسب الديوان روْنقا خاصّا لا يقطع مع سالفِ تراث قراءته، بل يدعّمها بجديد النّظر وحادث التّأويل الّذي هو في صميم القصيدة الشّابيّة، لالتزامه بالمحايثة ومقاربة روحها المتوثّبة المتجدّدة، وإن مضى على انشائها زمنٌ ليس بالقريب..."[19] . ومثاله الذي لا يُعدمُ صلةً بيْن ذات النّص وذاتِ مُتقبّله التّفصيل الّذي يقدّمه الجدول التّيميائي التّالي[20]:

المحور الدّلالي
عنوان القصائد
عددها
موقعها من الدّيوان
ماهيّة الشعر
-         "شعري"
-         "يا شعر"
-         "أغنية الشاعر"
-         "قلت للشعر"
-         "فكرة الفنّان"
-         " قلب الشاعر"
6
-         ص23.
-         ص 24.
-         ص ص 25-28.
-         ص 29.
-         ص 30.
-         ص 31.
الطّفولة
-         "الطفولة"
-         "حرم الأمومة"
-         "الجنّة الضائعةّ"
3
-         ص 35.
-         ص 35.
-         ص 36.
الوجود
-         الأبد الصغير"
-         "طريق الهاوية"
-         "زوبعة في الظلام"
3
-         ص 41.
-         ص 42.
-         ص 43.
الحريّة
-         مناجاة عصفور"
-         "يا ابن أمّي"
2
-         ص47.
-         ص 49.
الجمال
-         "جمال الحياة"
-         "إلى عذارى أفروديت"- الجمال المنشود
-         "أيّتها الحالمة بين العواصف"
-         "ذكرى صباح"
-         "تحت الغصون"
-         "الغاب"
-         "أنسيم يهبّ؟"
7
-         ص53.
-         ص 54.
-         ص 55.
-         ص 56.
-         ص 57.
-         ص 59.
-         ص 62.
الحبّ
-         "إيّاك"
-         "كهرباء الغرام"
-         "الحبّ"
-         "صيحة الحبّ"
-         "ليلة عند الحبيب"
-         "الغزال الفاتن"
-         "جدول الحبّ بين الأمس واليوم"
-         "أيّها الحبّ"
-         "صلوات في هيكل الحبّ"
-         "فمُنّي بوصل"
-         "ألحاني السّكرى"
-         "حبّذا البدر"
-         "الأمل اليسير"
-         "أوجّه طرفي"
-         "فتاة الحيّ"
-         "الفتنة السّاحرة"
-         "بين خمر الهوى وخمر الدّنان"
-         "وعود الغواني"
-         "في القرارة"
-         "أنشودة الحبّ"
-         "الحلم المعسول"
-         "الحبّ السّماوي"
22
-         ص 65.
-         ص 65.
-         ص 65.
-         ص 66.
-         ص 67.
-         ص 68.
-         ص 69.
-         ص 71.
-         ص 72.
-         ص 74.
-         ص 75.
-         ص 76.
-         ص 76.
-         ص 76.
-         ص 77.
-         ص 77.
-         ص 78.
-         ص 78.
-         ص 79.
-         ص 80.
-         ص 81.
-         ص 82.

الموت

-         "النّادبة"
-         "رثاء فجر"
-         "قلب الأمّ"
-         "حديث المقبرة"
-         "تحت رسمي"
-         "في ظلّ وادي الموت"
-         "شكوى ضائعة"
-         "مأتم الحبّ"
-         "بقايا الخريف"
-         "إلى الموت"
-         "يا موت"

11

-         ص 85.
-         ص 86.
-         ص 87.
-         ص 90.
-         ص 93.
-         ص 94.
-         ص 95.
-         ص 96.
-         ص 98.
-         ص 100.
-         ص 101.

إرادة
 المقاومة
-         "إلى الطّاغية"
-         "للتّاريخ"
-         "قالت الأيّام"
-         "يا حُماة الدّين"
-         "النّبيُّ المجهول"
-         "زئير العاصفة"
-         "إرادة الحياة"
-         "إلى الشعب"
-         "نشيد الجبّار- أو هكذا غنّى برومثيوس"
-         "إلى طغاة العالم"
-         "ليت شعري"
-         "سر مع الدّهر"
-         "الأديب"
-         "لو تعلمون"
-         "تونس الجميلة"
-         "سرّ النّهوض"
-         "الصيحة"
-         "أنشودة الرعد"
-         "خَلِّهِ للموت"
20



-         ص105.
-         ص 105.
-         ص 106.
-         ص 106.
-         ص 107.
-         ص 109.
-         ص 110.
-         ص 112.
-         ص 114.
-         ص 115.
-         ص 116.
-         ص 116.
-         ص 117.
-         ص 117.
-         ص 118.
-         ص 118.
-         ص 119.
-         ص 120.
-         ص 120.
الحكمة
-         "صوت تائه"
-         "من حديث الشّيوخ"
-         "قبضة من ضباب"
-         "؟"
-         "أبناء الشيطان"
-         "الرّواية الغريبة"
-         "النّاس"
-         "متاعب العظمة"
-         "فلسفة الثّعبان المقدّس"
-         "الحقّ عند النّاس"
-         "غرفة مِن يمّ"
-         "المجد"
-         "الحياة"
-         "نظرة في الحياة"
-         "الدّنيا الميّتة"
15
-         ص 123.
-         ص 123.
-         ص 124.
-         ص 124.
-         ص 125.
-         ص 126.
-         ص 126.
-         ص 126.
-         ص 127.
-         ص 128.
-         ص 129.
-         ص 129.
-         ص 130.
-         ص 131.
-         ص 132.
الألم
-         "قال قلبي للإله"
-         (...؟؟؟)
-         "دموع الألم"
-         "النجوى"
-         "في الظّلام"
-         "الكآبة المجهولة"
-         "شكوى اليتيم"
-         "الزنبقة الذاوية"
-         "السّآمة"
-         "لولا الخطوب"
-         "أغنية الأحزان"
-         "الدّموع"
-         "أيّها اللّيل"
-         "الذكرى"
-         "في فجاج الآلام"
-         "يا رفيقي"
-         "إلى عازف أعمى"
-         "نشيد الأسى"
-         "أغاني التّائه"
-         "إلى قلبي التّائه"
-         "اكترث يا قلب، فماذا تروم؟"
-         "إلى اللّه"
-         "صفحة من كتاب الدّموع"
-         "شجون"
-         "الأشواق التّائهة"
-         "قيود الأحلام"
-         "أنا أبكيك للحبّ"
-         "في سكون اللّيل"
-         (...؟؟؟)
-         "إلى البلبل"
30
-         ص 135.
-         ص 135.
-         ص 136.
-         ص 137.
-         ص 138.
-         ص 139.
-         ص 141.
-         ص 142.
-         ص 143.
-         ص 143.
-         ص 144.
-         ص 147.
-         ص 148.
-         ص 150.
-         ص 152.
-         ص 153.
-         ص 155.
-         ص 156.
-         ص 158.
-         ص 159.
-         ص 161.
-         ص 163.
-         ص 165.
-         ص 166.
-         ص 167.
-         ص 168.
-         ص 169.
-         ص 170.
-         ص 171.
-         ص 172.
الأمل
-         "السّاحرة"
-         "السّعادة"
-         "من أغاني الرّعاة"
-         "صوت من السّماء"
-         "الصباح الجديد"
-         "الاعتراف"
-         "أحلام شاعر"
-         "المساء الحزين"
-         "تونس النّادبة"
-         "خفقات الوتر"
-         "أراكِ"
11
-         ص 177.
-         ص 178.
-         ص 179.
-         ص 180.
-         ص 181.
-         ص 182.
-         ص 183.
-         ص 184.
-         ص 186.
-         ص 188.
-         ص 199.

     ليست الغاية من استقراء المحاور الدّلاليّة التي انتظم على أساسها الجدول السّابق التّنويع في معالجة الجانب الغرضي والتّعمّق في دراسة المواضيع الشعريّة بالتّبويب والتّرتيب والتّصنيف، وإنّما تتحدّد الغاية في رصدِ المحاور الدّلاليّة العامّة الّتي استقطبت اهتمام الشّابي وسيطرت على نصوصه بالنّظر إلى ما يمكن أن يُفيده ذلك في استكشاف الأسرار الكامنة خلف اختلافها وتمايزها، ومن ثمّة تفسير أسباب تعالق بعضها ببعض واتّصالها الوثيق بتجربة الشّاعر ومذهبه في الشّعر. ولا أدلّ على ذلك من أنّ عناوين القصائد ملفوظات انتظمت وِفق أنساقٍ وبُنى لغويّة ذات مقاصد دلاليّة تبيح تعدّد المعنى، فجاء جانب منها في صيغة الإفراد مثل: "مناجاة"، "حيرة"، "شعري" ... وتميّزت أخرى بصيغتها المركّبة، مثل: "أغنية الأحزان"، "شكوى اليتيم"، "إرادة الحياة"، "أنشودة الرّعد"... ومن تجلّيات التعدّد أنّ بعضها يدور حول هموم ذاتيّة أعلق في الواقع بنفسيّة الشاعر من الشّعر في حدّ ذاته، مثل: "يا أيّها اللّيل"، "مأتم القلب"...   أو يتّصل بمعنى من المعاني (الحرّية)، مثل: "إرادة الحياة"، "أمل الشّاعر"، "الجمال المنشود"، "الإيمان بالحياة"، "يا ابن أمّي"... وقد يقارب عاطفة من أسمى عواطف الإنسانيّة، مثل: "أيّها الحبّ"، "الدّموع"، "الأمل والقنوط"... وهذه الملفوظات تتميّز – في عمومها- بإحالاتها واسعة الأفق واتّصالها بمواضيع على درجة كبيرة من التّباين. فهل يمكن والحال هذه أن نختزل نصّ الشّابي ضمن محور قرائي دون غيره؟  وهل يجوز ارتهان نَصِّهِ ضمن أطر "مضبوطة" ومقصودة سلفا؟
       إنّ القراءة التّيميائيّة تفتح النّص على أفق أرحب، صحيح أنّها تتقصّد الغرضيّة، وصحيح –أيضا- أنّها لا تخلو من تأطير وتنميط. ولكنّ مزيّتها أنّها تُنظّر للنّص في شموليّته، في إمكاناته المتعدّدة وفي انفتاحه على ما يمكن أن يكون.
     وانتهاء، فما هذا إلّا إسهامٌ في قراءة نصّ شعري "ملأ الدّنيا وشغل النّاس"، أردنا به التوطئة إلى قراءات أخرى ممكنة. ويُعهدُ إلى الباحثين استقصاء المسألة وفي الاعتبار مثل هذه القضايا.




[1] - انظر: الشاذلي بويحيى، "أبو القاسم الشّابي والشاعريّة الحقّ"، مجلّة الفكر، السنة الخامسة، العدد 8، ماي 1960.
[2] - المرجع نفسه، ص ص25-26.

[3] - أشار الشابي إلى هذه المسألة في رسالة شخصيّة بعث بها إلى أبي شادي بتاريخ 10/5/1934، للتوسّع، راجع: أبو القاسم محمّد كرّو، الشابي، حياته وشعره،  الدّار العربيّة للكتاب، 1984، ص ص130-131.
[4] - يؤكّد ابو القاسم محمّد كرّو في كتابه الشّابي، حياته وشعرُه (ص130)، أنّ هذه الطبعة جاءت خاليةً من الميزات الضروريّة لطبع أيِّ ديوان، وأنّ أهمَّ ما افتُقدَ في طبعة الديوان هو تاريخ القصائد.
[5] - لرصدِ هذا التّباين، راجع- على سبيل المثال- موقف زين العابدين السنوسي من هذه المسألة (أورده في مجلّته العالم الأدبي، السنة 4، العدد، نوفمبر 1934)، حيث ذهب إلى أنّ بوادر تجربة الكتابة عند الشّابي تعودُ إلى 1925-1926. في حين أكّد مصطفى الكيلاني – دون أن يقدّم مبرّرا لذلك- أنّ ديوان أغاني الحياة مثّل مشروع كتابة بدأت بواكيره الأولى منذ 1923 – 1924. للتّوسّع ، انظر مقدّمة ديوان أغاني الحياة (طبعة المائويّة)، ص5.
[6] - اقتطفنا الشاهد من المقدّمة الّتي وضعها مصطفى بن كيلاني لديوان أغاني الحياة (طبعة المائوية)، والّتي وسمها بـ: "وجع الكتابة، روح الحياة أو مغالبة الألم بالأمل"، للتوسّع، راجع: الديوان، تونس، طبعة دار نقوش عربيّة، 2009، ص5.
[7]- نذكر من هذه المصنّفات – تمثيلا لا حصرا- ما يلي:
-           أبو القاسم محمّد كرّو: الشّابي حياته وشعره، تونس، الدار العربيّة للكتاب، 1984.
-           --------------------: آثار الشابي وصداه في الشرق، تونس، دار المغرب العربي ط2، 1988.
-          محمّد الحليوي: "مع الشّابي"، ضمن سلسلة  كتاب البعث، تونس، نوفمبر 1955.
-          عامر غديرة: "محاولة جعل إطار لترجمة الشّابي"، مجلّة الفكر التّونسيّة، السنة 5، العدد 3، ديسمبر 1959.

[8] - مثل هذه البحوث والدّراسات كثير، نكتفي بالإحالة على بعضها:
- محمّد القاضي: "الشعر على الشعر في أغاني الحياة لأبي القاسم الشابي"، الفكر، عدد 5، فيفري 1985، ص ص 60-68.
- محمد قوبعة: "الشعر في كتابات الشّابي النثريّة"، ضمن كتاب جماعي بعنوان: دراسات في الشعريّة: الشّابي نموذجا، تونس، بيت الحكمة، 1988، ص177 إلى 221.
- عبد العزيز المقالح: "ملامح صوفية في شعر الشابي"، الحياة الثقافية، العدد 202، أفريل 2009، صص 86-90.
[9] - يكفي أن نورد في هذا الإطار الشاهد التّالي من دراسة حمّادي صمّود: "الاشواق التّائهة" مدخل إلى كون الشابي الشعري"، يقول: "...ومتى عدنا إلى أغاني الحياة وجدْنا المعاني الأساسيّة والخصائص الكبرى الّتي استخلصناها من "الأشواق التّائهة" ماثلة في جلّ قصائدِ الديوان..."، للتوسّع، انظر كتابه: من تجلّيات الخطاب الأدبي، قضايا تطبيقيّة، تونس، دار قرطاج للنشر والتوزيع، 1999، ص 95.

[10] - من أهمّ البحوث والدّراسات الّتي تجلّى فيها هذا الاتّجاه القرائي، نذكر -تمثيلا- ما يلي:
- توفيق بكّار: "على سبيل المدخل إلى شعر الشّابي"، ضمن أعمال الندوة الخاصّة بستّينيّة الشّابي. وقد انعقدت بمدينة توزر في خريف 1994. ونُشِرَ ضمن أعمال الندوة في مجلّة الحياة الثّقافيّة العدد المزدوج 69-70، 1995.
- محمد قوبعة: "إلى الطاغية" (قراءة نقديّة)، نُشرت ضمن قراءات في النّص الأدبي (سلسلة نصوص وقراءات)، تونس، طبعة المطابع الموحّدة، 1993، ص ص 89-100.
- حمادي صمّود: "الأشواق التّائهة"، مدخل إلى كون الشّابي الشعري"، ضمن كتاب جماعي نشرته المؤسّسة الوطنيّة للتّرجمة والتّحقيق والدّراسات (بيت الحكمة)، بعنوان: دراسات في الشعريّة: الشابي نموذجا، تونس 1988، ص ص 9-53.
- الطاهر الهمّامي: "جدلُ الفنّ والواقع: "أغاني الحياة" للشّابي مثالا"، ضمن كتابه: حفيف الكتابة، فحيح القراءة (قضايا ونصوص تونسيّة) (ج1)، تونس، مطبعة فنّ الطباعة، 2006، ص ص 111-134.

[11] - راجع الإحالة عدد 7 من هذه الدّراسة.
[12] - راجع: أبو القاسم محمّد كرّو، الشابي: حياته وشعره، طبعة الدار العربيّة للكتاب، 1984.
[13] - مصطفى بن كيلاني، من مقدّمة:  وجع الكتابة، روح الحياة أو مغالبة الألم بالأمل"، أبو القاسم الشّابي: ديوان أغاني الحياة (طبعة المائويّة)، تونس، دار نقوش عربيّة، 2009، ص5.
[14] - من أهمّ هؤلاء نذكر الشيخ زين العابدين السنوسي (1898-1965)، ونحيل على مقدّمة عمله التّوثيقي الهامّ الموسوم بـ: الأدب التونسي في القرن الرابع عشر، تونس، دار العرب، ج2، ط1،1927– 1928. والأستاذ الطاهر الهمّامي (1947-2009)، في إطار كتابه: كيف نعتبر الشّابي مجدّدا، تونس والجزائر، الدّار التّونسيّة للنشر والشركة الوطنيّة للّنّشر والتوزيع، 1976.
[15] - مثل ذلك، ما أورده زين العابدين السنوسي في الأدب التونسي في القرن الرابع عشر، المرجع نفسه، (ص204)، يقول: "..وكان في ألفاظه متحرّرا من القيود الزّائدة، واسع الحريّة في اختيار الألفاظ وتوسيع القاموس الأدبي بمئات من المعاني الجديدة السّامية يفرغها على بعض الألفاظ الخاملة، فإذا هي أصرح في الدّلالة من حقائق القواميس اللغويّة...".
[16] - اعتمدنا في جردنا هذه القصائد على ما جاء في كتاب مصطفى الكيلاني: أبو القاسم الشّابي: وجع الكتابة- روح الحياة، تونس، دار المعارف للطّباعة والنشر، 2004، ص77.
[17] -أبو القاسم الشّابي، ديوان أغاني الحياة، (طبعة المائويّة) ، تونس، دار نقوش عربيّة، 2009، ص ص 170-171.
[18] - الموشّح قوامه ثلاثة مجاميع، إثنان منها مُتجانسة في عدد سُطورها (المجموع الأوّل والثّاني 12 سطرا)، أمّا الثالث فقوامه عشرة (10) أسطر، وقد جاء على بحر الرّمل.
[19] - الطّاهر الهمامي: حفيف الكتابة، فحيح القراءة ( قضايا ونصوص تونسيّة)، تونس مطبعة فنّ الطّباعة،ج1، 2006، ص25.
[20]- اعتمدنا في هذا التّرتيب على ما ورد في طبعة دار نقوش عربيّة (طبعة المائويّة)، تونس2009. كما اعتمدنا على ذات التصنيف الّذي اقترحه الدّكتور مصطفى كيلاني المثبت في توطئة الدّيوان وفهرسه.





ماجدة الرومي تغني للشابي






فيروز : أقبل الصبح للشابي